الشيخ حسن المصطفوي

56

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الهيجان والفيضان من شدّة الامتلاء . وهذا المعنى يختلف باختلاف الموارد : ففي البحر بوجود التموّج الشديد والهيجان ، وفي النار بالالتهاب الشديد والاشتعال ، وفي الرفيق والمصاحب بهيجان المحبّة والمودّة ، وفي الشعر بالوفور والاسترسال ، والجامع بينها هو الخروج عن الحدّ في الامتلاء . فظهر أنّ الأصل في المادّة ليس بمطلق الهيجان ولا الامتلاء ولا التوقّد ولا الفيضان ولا الاسترسال ولا التموّج ، بل الهيجان الشديد القريب من حدّ الفيضان من وفور الامتلاء . * ( يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) * - 40 / 72 . أي يمتلئون في النار ويتموّجون بالهيجان الشديد والاضطراب الوافر . والسحب : الجرّ على الأرض . * ( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) * - 52 / 6 . * ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ) * - 81 / 7 . أي البحر الممتلئ المتهيّج الشديد بالتمّوج والوفور والفيضان . وهذا المعنى في عالم المادّة : أثر من ظهور الرحمة في مسير العالم ، أو أثر من بروز الغضب والنقمة إذا تجاوز حدّ الاعتدال والرحمانيّة واللطف . وأمّا في عالم الملكوت والحقيقة الروحانيّة : فإشارة إلى الفيوضات الرّبانيّة والرحمة المسترسلة والبحر الموّاج المبسوط من الأنوار الإلهيّة . وأمّا التعبير بالتسجير دون السجر : إشارة إلى التجاوز والخروج عن الاعتدال والجريان الطبيعيّ ، وتحقّق السجر بالجعل الاضافيّ الثانويّ ، وهذا معنى بروز الغضب والنقمة من اللَّه عزّ وجلّ . ثمّ إنّ الماء لمّا كان مظهر الحياة والرحمة - و . * ( مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) * - فيعبّر في مقام ظهور الرحمة وجريانها بسجر الماء ، والماء المسجور .